دخل القانون رقم 71.24 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة حيز النفاذ، وذلك بعد نشره بالجريدة الرسمية عدد 7478 بتاريخ 29 يناير 2026. ويُشكِّل هذا الإصلاح التشريعي محطة بارزة في مسار تحديث البيئة القانونية المتعلقة بالمعاملات المالية والتجارية بالمملكة المغربية، إذ يُكرِّس مقاربة ترتكز على العدالة التقويمية بدل المقاربة الزجرية الصرفة، مع الحرص على الحفاظ على قيمة الشيك كوسيلة أداء والثقة التي يحظى بها في المجال الاقتصادي.
جاء هذا القانون استجابةً للإشكالات القانونية والتنظيمية التي أفرزتها الممارسة العملية، حيث تُشير معطيات بنك المغرب برسم سنة 2024 إلى:
- تسجيل ما يناهز 30 مليون عملية أداء بالشيك بقيمة إجمالية بلغت حوالي 1.319 مليار درهم
- في مقابل 972.000 عارض أداء
- إيداع أزيد من 180.000 شكاية تتعلق بالشيك خلال الفترة الممتدة بين 2022 ومنتصف 2025
- متابعة 76.000 شخص، منهم 58.000 تمت متابعتهم في حالة اعتقال
تعكس هذه الأرقام حجم الإشكال المطروح وضرورة إعادة النظر في المنظومة القانونية الزجرية للشيك.
التعديلات الشكلية
أحدث هذا القانون تغييرات جذرية على الباب المتعلق بالأوراق التجارية:
- تتميم وتغيير 13 مادة
- نسخ وتعويض مادتين
- إضافة 4 مواد جديدة
- نسخ مادة واحدة
الفلسفة الجديدة للإصلاح
ارتكز هذا الإصلاح على فلسفة جديدة تُتيح إمكانية تسوية الوضعيات من خلال:
- تبسيط المساطر وتسهيل عملية التحصيل وأداء الغرامات
- اعتماد مُهل وآجال ميسرة خلال جميع مراحل الدعوى العمومية، سواء أثناء البحث التمهيدي أو المحاكمة أو حتى بعد صدور مقرر قضائي غير قابل للطعن
مبدأ التناسب بين الفعل والعقوبة
في إطار إرساء مبدأ التناسب، نصت المادة 316 من مدونة التجارة على:
- رفع الحد الأقصى للعقوبة إلى ثلاث سنوات فيما يخص ساحب الشيك الذي أغفل الحفاظ على المؤونة أو تكوينها قصد أداء الشيك عند تقديمه، أو ساحب الشيك المتعرض بصفة غير صحيحة لدى المسحوب عليه
- رفع الحد الأقصى للعقوبة إلى خمس سنوات فيما يخص جرائم تزييف أو تزوير الشيك، أو القيام بقبول تسلم شيك مزيف أو مزور أو بتظهيره أو ضمانه ضمانا احتياطيا، أو استعمال عن علم أو محاولة استعمال شيك مزيف أو مزور
رفع طابع التجريم في النزاعات الأسرية
من أبرز مستجدات المادة 325، رفع طابع التجريم عن جنحة إغفال الحفاظ على المؤونة أو تكوينها إذا وقع الفعل بين الأزواج أو الأصول أو الفروع من الدرجة الأولى، بهدف الحد من تجريم النزاعات ذات الطابع الأسري والحفاظ على تماسك الروابط العائلية.
الدور المحوري للنيابة العامة
أوجبت المادة 325 على النيابة العامة إعذار ساحب الشيك بضرورة توفير المؤونة داخل أجل ثلاثين يوما قبل تقديمه أمامها، وجعل المتابعة متوقفة على ضرورة هذا الإعذار الذي يوجه إلى الساحب من طرف أحد ضباط الشرطة القضائية بناء على تعليمات النيابة العامة، مع إمكانية تمديد هذا الأجل لمدة مماثلة أو أكثر بعد موافقة المستفيد من الشيك.
كما منح القانون إمكانية إخضاع الساحب لأحد تدابير المراقبة القضائية، بما فيها المراقبة الإلكترونية عبر السوار الإلكتروني، كبديل عن الاعتقال الاحتياطي.
تكريس الصلح الجنائي
نص القانون على أنه يترتب عن الأداء أو التنازل عن الشكاية عدم تحريك الدعوى العمومية أو سقوطها حسب الحالة. وإذا وقع الأداء أو التنازل بعد صدور مقرر قضائي غير قابل للطعن، فإنه يضع حدا لآثار هذا المقرر الصادر بالمؤاخذة.
كما نص المشرع صراحة على عدم جواز الرجوع في الصلح أو التنازل، إلا في الأحوال التي يجيز فيها القانون الطعن، وذلك ضمانا للاستقرار القانوني وحماية لحقوق الأطراف.
مستجدات الشيك المقبول على سبيل الضمان
تم إلغاء العقوبة الحبسية والاكتفاء بغرامة تُحدد قيمتها في اثنين بالمائة (%2) من قيمة الشيك عن كل شخص قام عن علم بقبول تسلم أو تظهير شيك شرط ألا يُستخلص فورا وأن يُحتفظ به على سبيل الضمان. وإذا تم أداء هذه الغرامة قبل صدور مقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به، يترتب عن ذلك عدم تحريك الدعوى العمومية أو سقوطها.
تشجيع التسوية الودية
نصت المادة 314 صراحة على عدم فرض الغرامة إذا بادر صاحب الحساب إلى تسوية أو توفير مؤونة الشيك غير المؤدى داخل أجل ثلاثة أشهر ابتداء من تاريخ الإنذار.
محو آثار الإدانة ورد الاعتبار
نصت المادة 325 على:
- محو الآثار الناتجة عن العقوبة السالبة للحرية إذا وقع الوفاء أو التنازل عن الشكاية بعد صدور مقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به، وذلك بعد أداء الغرامة المحكوم بها
- تمكين المحكوم عليه من طلب رد الاعتبار القضائي بمجرد أداء الغرامتين المنصوص عليهما
تجميد مبلغ الشيك إلكترونيا
نصت المادة 242 على إمكانية تجميد مبلغ الشيك بطريقة إلكترونية عن بُعد، بطلب من حامل الشيك أو المستفيد وبأمر من الساحب، على أن تُحدد كيفية تطبيق هذه المقتضيات بدورية يصدرها والي بنك المغرب.
قواعد خاصة بالكمبيالة المسحوبة على مؤسسة بنكية
وضع المشرع قواعد خاصة بالكمبيالة المسحوبة على مؤسسة بنكية تهدف إلى تعزيز حماية المستفيد وإعطاء دور إيجابي للمؤسسة البنكية، من خلال:
- تسليم دفتر الكمبيالات وفق الشكل المحدد
- الاطلاع على وضعية الساحب إزاء عوارض الأداء قبل تسليم الدفتر
- إمكانية استرجاع الدفاتر في حال تعدد عوارض الأداء
الغايات الكبرى للإصلاح
يروم هذا الإصلاح التشريعي تحقيق جملة من الغايات:
- ترشيد الاعتقال وتخفيف العبء على المحاكم فيما يتعلق بقضايا الشيك
- الحفاظ على التوازن الاقتصادي وقيمة الشيك كوسيلة أداء
- تشجيع المواطنين على تسوية وضعياتهم بأداء مساهمة إبرائية
- تعزيز الشفافية وتقليص الاعتماد على النقد في المعاملات المالية
- تدعيم الثقة في المعاملات التجارية بما يُسهم في استقرار الأنشطة الاقتصادية
للاطلاع على النص الكامل للقانون رقم 71.24: تحميل القانون


