نص البيان: تحميل البيان الإخباري الكامل
نص القانون: الاطلاع على الجريدة الرسمية عدد 7489 — القانون رقم 29.24
الرباط، في 17 مارس 2026
تسجل المنظومة التشريعية المغربية محطة فارقة في مسار حماية الطفولة، بصدور الظهير الشريف رقم 1.26.06 الصادر في 22 من شعبان 1447 الموافق 11 فبراير 2026، القاضي بتنفيذ القانون رقم 29.24 المتعلق بإحداث الوكالة الوطنية لحماية الطفولة وبمراكز حماية الطفولة التابعة لها وبمؤسسات الرعاية الاجتماعية الخاصة بالأطفال، والمنشور في الجريدة الرسمية عدد 7489 بتاريخ 9 مارس 2026.
ويشكل هذا الحدث التشريعي نقلة نوعية في مسار حماية الطفولة بالمغرب، يجسد إرادة وطنية راسخة نحو تنسيق الجهود الوطنية المعنية بحماية الطفولة، وفق مقاربة مندمجة تنسجم مع التوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، الداعية إلى النهوض بأوضاع الطفولة والأسر، وتتماهى مع المعايير الدولية ذات الصلة ومبدأ المصلحة الفضلى للطفل، وتعزز الالتزامات الدستورية والدولية للمملكة في مجال حماية حقوق الطفل.
معالجة الإكراهات البنيوية في منظومة حماية الطفولة
جاء هذا القانون استجابة لإكراهات وتحديات بنيوية أشارت إليها مجموعة من التقارير الصادرة عن مختلف المؤسسات الوطنية، أبرزها: تشعب الفاعلين وتعدد المتدخلين مع الحاجة الملحة لإرساء منظومة وفق نسق موحد يضمن التقائية السياسات وفعالية التدخلات.
وتجسد الأرقام حجم هذه الحاجة: إذ يسجل المغرب ما يقارب 29.000 طفل في تماس مع منظومة العدالة سنوياً، وأكثر من 24.000 قضية تتعلق بالأحداث في نزاع مع القانون — فضلاً عن ظاهرة أطفال الشوارع والأطفال المهملين وصعوبة تحديد الأرقام الحقيقية مما يحجب الحجم الحقيقي للظاهرة.
الوكالة الوطنية لحماية الطفولة — البنية المؤسسية والاختصاصات
طبقاً للقانون رقم 29.24 تُحدَث بموجب المادة 5 من القانون «الوكالة الوطنية لحماية الطفولة»، مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي، مقرها الرباط، مع صلاحية إحداث تمثيليات ترابية بموجب مقرر لمجلس إدارتها. وتخضع لوصاية الدولة والمراقبة المالية المطبقة على المؤسسات العمومية.
ويمثل هذا الخيار المؤسسي تحولاً جوهرياً من نموذج التنسيق بين قطاعات متعددة إلى نموذج الجهاز المركزي المستقل ذي الصلاحيات التنفيذية، وهو توجه ينسجم مع نموذج النضج المؤسسي في منظومات حماية الطفولة الذي تعتمده المنظمات الدولية المتخصصة.
أجهزة التسيير
يدير الوكالة الوطنية مجلس للإدارة ويسيرها مدير عام يُعيَّن طبقاً للتشريع المتعلق بالتعيين في المناصب العليا. ويتألف مجلس الإدارة، تحت رئاسة رئيس الحكومة أو السلطة الحكومية المفوضة من لدنه، من:
- ممثلين عن الإدارة
- قاضيين مختصين في قضايا الأحداث يعينهما المجلس الأعلى للسلطة القضائية أحدهما من قضاة النيابة العامة
- مدير التعاون الوطني أو من يمثله
- ممثلين عن الجمعيات المهتمة بحماية الطفولة
- عضوين مستقلين مشهود لهما بالكفاءة والخبرة في مجال اختصاص الوكالة الوطنية
وتجدر الإشارة إلى أن إشراك قاضيين مختصين في قضايا الأحداث ضمن مجلس الإدارة يكرس مبدأ الربط العضوي بين منظومة الحماية ومنظومة العدالة الجنائية للأحداث، ويرسخ مبدأ التخصص القضائي الذي أوصت به قواعد بكين الدنيا لإدارة شؤون قضاء الأحداث.
الاختصاصات
تُناط بالوكالة الوطنية مهمة تنفيذ سياسة الدولة في مجال حماية الطفولة والنهوض بها، وتشمل اختصاصاتها على وجه الخصوص:
- وضع برامج مندمجة للتكفل بالنزيل ورعايته وتأهيله وتيسير إعادة إدماجه في المجتمع
- إعداد مخططات عمل بشراكة مع الإدارات والجماعات الترابية وجمعيات المجتمع المدني والهيئات الدولية
- التكفل بالنزيل وحمايته وتربيته وتقويم سلوكه وتعزيز استقلاليته وترسيخ الروابط بينه وبين وسطه العائلي
- تتبع النزيل بعد مغادرته مركز حماية الطفولة من أجل التحقق من اندماجه
- الترخيص بإحداث مؤسسات الرعاية الاجتماعية الخاصة بالأطفال وتتبعها ومراقبتها
- إنشاء قاعدة بيانات جهوية ووطنية خاصة بنزلاء مراكز حماية الطفولة
- إمساك سجل إلكتروني يوضع رهن إشارة السلطات القضائية والإدارية المختصة
- وضع برامج للتكوين من أجل الرفع من قدرات العاملين في مجال حماية الطفولة
- إبداء الرأي في مشاريع النصوص التشريعية أو التنظيمية ذات الصلة وإنجاز الدراسات والأبحاث
مراكز حماية الطفولة — نظام مزدوج يراعي خصوصية كل فئة
يميز القانون بين صنفين من مراكز حماية الطفولة، وهي مراكز اجتماعية وتربوية تابعة للوكالة الوطنية، مع مراعاة مبادئ الإنصاف في تغطية التراب الوطني والجهوية وتقريب الخدمات من الأطفال:
-
مراكز حماية الطفولة ذات النظام المحروس: تستقبل الأطفال في نزاع مع القانون ممن صدر في حقهم تدبير أو مقرر قضائي. ويراعي هذا الإطار مقتضيات قواعد هافانا لحماية الأحداث المحرومين من حريتهم (1990). كما يتيح القانون — بموجب المادة 151 — للجهة القضائية المختصة أن تأمر بإيداع الحدث بأحد هذه المراكز كتدبير بديل عن الاعتقال الاحتياطي إذا اقتضت مصلحته الفضلى ذلك.
-
مراكز حماية الطفولة ذات النظام المفتوح: تستقبل الأطفال ضحايا جنايات أو جنح، والأطفال في وضعية صعبة، والأطفال المهملين، والأطفال ضحايا الكوارث الطبيعية الذين فقدوا أسرهم. وهو ما يتوافق مع المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الرعاية البديلة للأطفال (2009).
حقوق النزلاء
يكرس القانون منظومة متكاملة من الحقوق تجسد مبدأ المصلحة الفضلى للطفل كغاية من كل تدبير يُتخذ لفائدته أو في حقه، وتشمل:
- حظر ومكافحة كل أشكال التمييز بين النزلاء
- الحفاظ على السلامة الجسدية والنفسية للنزيل وصون كرامته واحترام خصوصيته
- تفريد الخدمات المقدمة إليه وضمان استمراريتها والارتقاء بجودتها
- توفير الولوجيات للنزلاء في وضعية إعاقة
- تنمية شخصية النزيل ومعارفه ومواهبه وقدراته العقلية والبدنية
- استطلاع رأي النزيل في شأن كل إجراء يتعلق به
- المواكبة الصحية والنفسية والتربوية والاجتماعية والقانونية
- الحق في التربية والتعليم والتمدرس الاستدراكي والتكوين المهني والأنشطة الثقافية والرياضية والفنية والترفيهية
- الحق في الرعاية الصحية المضمونة لجميع النزلاء على نفقة الوكالة الوطنية
كما يتضمن القانون ثلاثة أحكام بالغة الدلالة في مجال مناهضة الوصم الاجتماعي:
- لا يُشار في الشهادة أو الدبلوم المحصل عليه من لدن النزيل إلى مركز حماية الطفولة المودع به (المادة 50)
- يُمنع الإشارة في الوثائق الإدارية المسلمة للنزيل إلى كونه مودعاً بالمركز (المادة 141)
- لا يُشار في رسم الولادة إلى إيداع النزيلة الأم بمركز حماية الطفولة (المادة 91)
تكريس بدائل الإيداع المؤسساتي
يكرس القانون توجهاً يتجاوز المقاربة الإيوائية التقليدية نحو بدائل الإيداع المؤسساتي، في انسجام مع المعايير الدولية:
-
تدبير التسليم إلى الأسر المستقبِلة: نصت المادة 144 على أنه يمكن للأطفال المودعين بمراكز حماية الطفولة ذات النظام المفتوح الاستفادة من هذا التدبير، وهو ترجمة مباشرة لمبدأ أولوية الرعاية الأسرية.
-
نظام الحرية المحروسة: أفرد القانون قسماً خاصاً يُناط بموجبه بالوكالة الوطنية مهام تنفيذ وتتبع نظام الحرية المحروسة، باعتباره تدبيراً قضائياً يهدف إلى الإشراف والتتبع التربوي والمواكبة النفسية والاجتماعية للأحداث، وفقاً لقواعد طوكيو الدنيا بشأن التدابير غير الاحتجازية (1990).
-
الرعاية اللاحقة: خصص القانون فرعاً خاصاً لتأطير منظومة الرعاية اللاحقة، وتشمل مجموع التدابير والخدمات المقدمة للنزلاء بعد مغادرتهم لمراكز الحماية بهدف ضمان إدماجهم الاجتماعي والوقاية من العود. ويمكن تمديد الاستفادة من برامجها إلى غاية سن العشرين. ويُعد لكل طفل برنامج خاص يتضمن مشروع الحياة الشخصي قبل مغادرة الطفل بثلاثة أشهر.
-
ضمانات مناهضة الوصم الاجتماعي: كرس القانون ثلاث ضمانات قانونية صريحة تهدف إلى حماية الطفل من أي وصم مؤسساتي قد يعيق مسار إعادة إدماجه.
يعبر هذا القانون عن إرادة المشرع في التأسيس لمقاربة جديدة في مسار حماية الطفولة بالمغرب، وينتظر أن تشكل المرحلة المقبلة المتمثلة في إعداد النصوص التنظيمية اللازمة لتنزيل هذا القانون وتنصيب أجهزة إدارة وتسيير الوكالة الوطنية محطة حاسمة في تفعيل آلياته من أجل ضمان الحماية الناجعة للطفل في تماس مع القانون وفق مبدأ المصلحة الفضلى.


